ابن بطوطة

192

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وبالمدينة قاعات على هذه الصورة لكثير من أهلها ، فزلّ لسانه وقال للأميرين أنا أضمن هذه المدينة وكلما يحدث فيها أطالب به ، وأحوط على السلطان مرتّبات العساكر والرجال . فأنكر الاميران قوله ، وقالا : إنما تريد الثورة على السلطان ! وقتلاه . . . وانما كان قصده رحمه اللّه إظهار النصح والخدمة للسلطان ، فكان فيه حتفه . وكنت سمعت أيام كوني بالإسكندرية بالشيخ الصالح العابد المنقطع المنفق من الكون أبي عبد اللّه المرشدي « 38 » وهو من كبار الأولياء المكاشفين أنه منقطع بمنية ابن مرشد ، له هنالك زاوية هو منفرد فيها لا خديم له ولا صاحب ويقصده الأمراء والوزراء وتأتيه الوفود من طوائف الناس في كل يوم فيطعمهم الطعام ، وكل واحد منهم ينوي أن يأكل عنده طعاما أو فاكهة أو حلواء فيأتي لكل واحد بما نواه ! وربما كان ذلك في غير إبانه ، ويأتيه الفقهاء لطلب الخطط فيولي ويعزل ، وذلك كله من أمره مستفيض متواتر ، وقد قصده الملك الناصر مرات بموضعه ، فخرجت من مدينة الإسكندرية قاصدا هذا الشيخ نفعنا اللّه به . ووصلت قرية تروجة « 39 » وضبطها بفتح التاء المعلوة والراء وواو وجيم مفتوح . وهي على مسيرة نصف يوم من مدينة الإسكندرية ، قرية كبيرة بها قاض ووال وناظر ، ولأهلها مكارم أخلاق ومروءة ، صحبت قاضيها صفي الدين وخطيبها فخر الدين وفاضلا من أهلها يسمى بمبارك وينعت بزين الدين ، ونزلت بها على رجل من العبّاد الفضلاء كبير القدر يسمى عبد الوهاب ، وأضافني ناظرها زين الدين ابن الواعظ ، وسألني عن بلدي وعن مجباه فأخبرته أن مجباه نحو اثني عشر ألفا من دينار الذهب ، فعجب ، وقال لي : رأيت هذه القرية ؟ فإن مجباها اثنان وسبعون ألف دينار ذهبا . وإنما عظمت مجابي ديار مصر لأن جميع أملاكها لبيت المال . ثم « 40 » خرجت من هذه القرية فوصلت مدينة دمنهور « 41 » وهي مدينة

--> ( 38 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن أبي المجد إبراهيم المرشدي كانت له همة في خدمة الناس وضيافتهم . . كان يتمتع بذكر جد طيب . . . يفتي بلفظه لا بكتابه ، عظم شأنه في الدولة جدا حتى كان يكتب ورقة إلى كاتب السر والدويدار وغيرهما من أركان الدولة في المهمات فلا يستطيعون ردها ! بات ذات يوم في عافية ، فأرسل إلى من حوله يدعوهم لامرهم فحضروا الزاوية فأبطأ فطلبوه فوجدوه ميّتا ، رمضان 737 - 1737 ، الدرر 4 ص 82 - 83 - 84 . ( 39 ) يتحدث فريسكو بالدي عام 1384 عن مدينة مهدمة تقريبا . . . بعد أن كانت مدينة غنية حافلة في العهد الماضي ، كانت تسمى أنذاك تيورجيا ( Tiourgia ) وهي حاليا توروكا ( Tourouga ) . ( 40 ) ترجع مداخيل تروجة وإقليمها بصفة مباشرة إلى الخزينة الخاصة بسلطان مصر ، وليست موزعة على شكل إقطاعات توزع على أعيان المملكة ، ومن الجدير بالذكر أن تحقيقا سجل عام 777 - 1375 يصدق تماما الأرقام التي قدمها لنا ابن بطوطة - الجغرافيا لابن سعيد المغربي ص 148 . ( 41 ) يفيد ابن جبير أن مدينة دمنهور كانت محاطة بأسوار في سهل فسيح يمتد حتى الإسكندرية . رحلة ابن جبير : مكتبة الهلا ، بيروت 1981 ص 17 .